الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

92

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولا تعرف للمشركين صلاة ، فتسمية مكائهم وتصديتهم صلاة مشاكلة تقديرية ؛ لأنهم لما صدوا المسلمين عن الصلاة وقراءة القرآن في المسجد الحرام عند البيت . كان من جملة طرائق صدهم إياهم تشغيبهم عليهم وسخريتهم بهم يحاكون قراءة المسلمين وصلاتهم بالمكاء والتصدية ، قال مجاهد : « فعل ذلك نفر من بني عبد الدار يخلطون على محمد صلاته » وبنو عبد الدار هم سدنة الكعبة وأهل عمارة المسجد الحرام فلما فعلوا ذلك للاستسخار من الصلاة سمي فعلهم ذلك صلاة على طريقة المشاكلة التقديرية ، والمشاكلة ترجع إلى استعارة علاقتها المشاكلة اللفظية أو التقديرية فلم تكن للمشركين صلاة بالمكاء والتصدية ، وهذا الذي نحاه حذاق المفسرين : مجاهد ، وابن جبير ، وقتادة ، ويؤيد هذا قوله : فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [ الأحقاف : 34 ] لأن شأن التفريع أن يكون جزاء على العمل المحكي قبله ، والمكاء والتصدية لا يعدان كفرا إلّا إذا كانا صادرين للسخرية بالنبيء صلى اللّه عليه وسلم وبالدين ، وأما لو أريد مجرد لهو عملوه في المسجد الحرام فليس بمقتض كونه كفرا إلّا على تأويله بأثر من آثار الكفر كقوله تعالى : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [ التوبة : 37 ] . ومن المفسرين من ذكر أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة ويمكّون ويصفقون روي عن ابن عباس كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفقون ويصغرون ، وعليه فإطلاق الصلاة على المكاء والتصدية مجاز مرسل ، قال طلحة بن عمرو : أراني سعيد بن جبير المكان الذي كانوا يمكّون فيه نحو أبي قبيس ، فإذا صح الذي قاله طلحة بن عمرو فالعندية في قوله : عِنْدَ الْبَيْتِ بمعنى مطلق المقاربة وليست على حقيقة ما يفيده ( عند ) من شدة القرب . ودل قوله : فَذُوقُوا الْعَذابَ على عذاب واقع بهم ، إذ الأمر هنا للتوبيخ والتغليظ وذلك هو العذاب الذي حل بهم يوم بدر ، من قتل وأسر وحرب ( بفتح الراء ) . بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي بكفركم ف ( ما ) مصدرية ، وكان إذا جعل خبرها جملة مضارعية أفادت الاستمرار والعادة ، كقول عائشة ، « فكانوا لا يقطعون السارق في الشيء التافه » وقول سعيد بن المسيب في « الموطأ » : « كانوا يعطون النفل من الخمس » . وعبر هنا ب تَكْفُرُونَ وفي سورة الأعراف [ 39 ] ب تَكْسِبُونَ لأن العذاب المتحدث عنه هناك لأجل الكفر . والمتحدث عنه في الأعراف لأجل الكفر والإضلال وما يجره الإضلال من الكبرياء الرئاسة .